عبد الشافى محمد عبد اللطيف
201
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
مطالبين بقتاله ، بل بالعكس مطالبون بالكف عنه ؛ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [ النساء : 90 ] . ولكنه التعصب المقيت ضد الإسلام الذي دأب عليه المستشرقون ، بقصد تشويه الإسلام ، وتصويره بأنه دين يدعو إلى سفك الدماء . وهؤلاء المستشرقون لم يفهموا ظاهرة انتشار الإسلام على حقيقتها ، ولم يفهموا أسبابها ؛ التي من أولها وأهمها بساطة الإسلام نفسه وملاءمته لفطرة الإنسان . في كل زمان ومكان ، ولما لم يفهموا ذلك ، وأفزعهم الانتشار الهائل والسريع للإسلام في أرجاء العالم ، راحوا يروجون أنه انتشر بالسيف ، وليس أبعد عن الحقيقة والواقع من هذه الفكرة . فالإسلام - كما تدل وقائع التاريخ - كان ينتشر ويتضاعف معتنقوه أوقات السلم أكثر وأسرع مما كان ينتشر في أوقات الحرب . فمن المعروف تاريخيّا أن عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز ( 99 - 101 ه ) كان عهد سلام ؛ إذ توقفت فيه الحروب تقريبا وبأمر الخليفة نفسه ، وكان من أول قراراته التي أصدرها قراره بفك الحصار الذي كان المسلمون قد ضربوه على مدينة القسطنطينية وأن يعود الجيش الإسلامي إلى الديار الإسلامية « 1 » . وكان عهده عهد حل كل المشكلات سواء الداخلية أو الخارجية بطريق سلمي . ومع ذلك فقد شهد هذا العهد القصير إقبالا على الإسلام بصورة لم يسبق لها مثيل « 2 » ، واعتنقه الناس لبساطته وسمو مبادئه ، خصوصا من أهل الكتاب ، لدرجة أن بعض الولاة اشتكى للخليفة من أن إقبال الناس على اعتناق الإسلام قد أضر ببيت المال ، لرفع الجزية عمن أسلموا . وطلب بعض الولاة من الخليفة أن تبقى الجزية مفروضة عليهم بعد إسلامهم . لكن الخليفة الصالح الذي كان يفهم روح الإسلام قال صائحا : قبح اللّه رأيكم ، إن اللّه أرسل محمدا صلّى اللّه عليه وسلم هاديا ولم يبعثه جابيا . ثم ليخبرنا هؤلاء المستشرقون أي جيش إسلامي ذهب إلى جنوب شرقي آسيا لينشر الإسلام هناك ؟ وكيف أصبحت أمة كأندونيسيا - التي يزيد عددها الآن عن عدد الأمة العربية تقريبا - مسلمة ؟ إن الإسلام بدأ يدخل إلى أندونيسيا وغيرها من بلاد جنوب شرقي آسيا منذ القرن الثاني عشر الميلادي ، أي في وقت كانت فيه القوة العسكرية الإسلامية قد زالت أو ضعفت ولم يصبح لها أي تأثير ، وكان وصول الإسلام إلى هذه البلاد النائية عن طريق التجار الذين كانوا يتنقلون بين الموانئ
--> ( 1 ) انظر : الطبري ( 8 / 130 ) . ( 2 ) انظر : د . حسن إبراهيم حسن - تاريخ الإسلام السياسي ( 1 / 335 ) .